من الحكواتي الى سيدة العالم....بقلم الكاتب سالم حسن غنيم
من الحكواتي إلى سيدة العالم
إلى أطهر نساء الأرض…
إلى المرأة الفلسطينية في غزة،
وفي الضفة الفلسطينيه،
وفي كل شبر من أرض فلسطين…
إلى الأم والابنة والأخت والزوجة،
إلى الأرملة والثكلى،
إلى أم الشهيد والجريح والأسير،
إلى الفقيرة واليتيمة،
وإلى كل امرأة حملت وجع الوطن في قلبها،
ومضت رغم الألم واقفةً كجذع زيتونة لا تنحني.
من سالم غنيم،
حكواتي الوجدان الشعبي،
الفلسطيني المهجّر من اللد،
ابن النكبة وأحد أبناء اللاجئين الفلسطينيين عام 1948،
أكتب إليكِ من وجدان رجلٍ لم تغادر فلسطين ذاكرته،
ولم تغادره حكايات نسائها.
أيتها المرأة الفلسطينية…
أنتِ سيدة العالم.
على الرجال أن يتعلّموا من صبركِ، وعلى القمر أن يخجل من ضوئه أمام نوركِ،
وعلى كل من يكتب عن البطولة أن ينحني احترامًا لقلبكِ الذي لم يعرف الاستسلام.
أرسل تحياتي إلى المرأة الفلسطينية في غزة،
التي تواجه الموت والجوع والدمار، وتضم أطفالها إلى صدرها كأنها تحاول أن تحمي ما تبقّى من العالم.
وإلى المرأة الفلسطينية في الضفة الفلسطينية،
التي تقف إلى جانب أخيها الرجل في الدفاع عن أرضها،
وعن زيتونها،
وعن بيتها وقريتها وأبنائها،
وتزرع في التراب معنى الصمود،
وفي الأجيال معنى الانتماء.
أحيّي تلك التي تودّع ابنها شهيدًا، وتنتظر زوجها أسيرًا،
وتضمّد جراح طفلها،
ثم تنهض في اليوم التالي لتصنع من الحزن خبزًا،
ومن الدموع دعاءً،
ومن الخوف شجاعةً لا يعرفها إلا أصحاب الأرض.
أيتها الفلسطينية…
لقد قرأتُ في تاريخ الشعوب حكايات نساءٍ سقطن تحت وطأة الهزيمة، ونساءٍ انكسرن أمام المحتل،
ونساءٍ دفعتهن المحن إلى طرقٍ لم يخترنها.
لكنني،
وأنا ابن اللد،
ابن الذاكرة الفلسطينية التي حملت مفاتيح بيوتها في المنافي،
أعرف أن المرأة الفلسطينية صنعت حكايةً أخرى؛
حكاية امرأةٍ لم تساوم على كرامتها، ولم تتخلَّ عن أرضها،
ولم تسمح للنكبة أن تنتزع منها هويتها.
أنتِ يا غصن الزيتون،
ويا شجرة الكرمة،
ويا نبع الكرامة والعفاف…
عصرتكِ المحن،
وأنهالت عليكِ المعاول،
وحاصرتكِ النيران،
لكنكِ بقيتِ واقفةً،
تضربين جذوركِ في الأرض،
وتعلّمين أبناءكِ أن الوطن ليس حكايةً تُروى فحسب،
بل عهدٌ يُحمل،
وحقٌّ لا يسقط.
يا أمي…
يا ابنتي…
يا أختي…
يا حبيبتي…
اسمحي لأخيكِ الفلسطيني،
اللاجئ من اللد،
أن يكتب إليكِ كلمة وفاء،
وأن يضع بين يديكِ تحيةً من قلبٍ يعرف معنى الرحيل،
ويعرف أن البيت قد يُهدم،
لكن ذاكرته لا تُهدم،
وأن المفتاح قد يصدأ،
لكن حق العودة لا يصدأ.
يا صابرةً،
يا طاهرةً،
يا أغنى من ساكنات القصور…
تراب الوطن الذي يعفّر وجهكِ أبهى من المساحيق،
وعرقكِ على جبين الأرض أكرم من عطر الدنيا،
وثوبكِ المطرّز بحكايات الجدّات أجمل من أثواب الملوك.
جعتِ، فكان صبركِ زادًا.
تعبتِ، فكان إيمانكِ سندًا.
حوصرتِ، فكان قلبكِ وطنًا.
وفقدتِ، فظللتِ تمنحين الحياة معنى البقاء.
أيتها الأميرة النبيلة،
يا ابنة فلسطين الأصيلة…
أراكِ فوق السطوح تراقبين وطنكِ، وفي الحقول تحرسين زيتونكِ،
وفي البيوت تجمعين شتات العائلة، وتحت الأنقاض تضمّين طفلكِ،
وفي الخيام تصنعين من قطعة خبز حكاية كرامة.
أراكِ تمسكين بيد أخيكِ الرجل،
لا لتكوني خلفه،
بل لتكوني معه؛
شريكةً في حماية الأرض،
وصون الهوية،
والدفاع عن الحق، وبناء الغد.
أنتِ لستِ صورةً للحزن وحده،
بل صورةٌ للحياة حين تقاوم،
وللأمل حين يُحاصر،
وللإنسان حين يرفض أن يتحوّل إلى رقمٍ في نشرات الأخبار.
من اللد،
من مدينةٍ تركنا فيها البيوت ولم نتركها في القلب، أقول لكِ:
سلامٌ على يديكِ اللتين تزرعان الزيتون.
سلامٌ على عينيكِ اللتين تنتظران عودة الغائبين.
سلامٌ على قلبكِ الذي يتّسع لفلسطين كلها.
سلامٌ على كل امرأةٍ فلسطينية جعلت من صبرها رايةً، ومن كرامتها وطنًا، ومن حبّها للأرض عهدًا لا ينكسر.
يا سيدة العالم…
يا أشرف نساء الأرض…
يا حارسة الذاكرة ومربية الأجيال…
إن كان طريق الجنة تحت قدميكِ،
فإن طريق العودة يبدأ من إيمانكِ،
ومن صمودكِ،
ومن حقّكِ الذي لا يموت.
وإن كان مفتاح القدس في أيدينا،
فإنكِ تحفظين معناه في قلبكِ، وتورّثينه لأبنائكِ كما تورّثين اسم فلسطين وحكاياتها.
اللهم أفرحني بفلسطين وأهلها،
وبغزة وأطفالها،
وبالضفة ونسائها،
وباللد وأهلها،
فإني أحبهم فيك.
اللهم احفظ المرأة الفلسطينية،
وارحم شهيداتها،
واشفِ جريحاتها،
وفكّ أسر أسراها،
واجبر قلوب أمهاتها،
واكتب لها ولشعبها الحرية والعودة والكرامة.
من الحكواتي…
إلى سيدة العالم.
سالم حسن غنيم
حكواتي الوجدان الشعبي
فلسطيني من اللد…
ابن اللجوء وذاكرة الوطن

تعليقات
إرسال تعليق