الذاكرة بيت غريب ....بقلم الكاتبة والشاعرة الزهرة العناق
... الذاكرة بيتٌ غريب أفظع ما قد يحدث للإنسان أن يكتشف أنه أمضى عمره يحاول النجاة من أشياء لم تعد موجودة، وأن أكثر ما يستنزفه لم يعد سوى ذكرى تسكنه بإرادته أو دونها. الذاكرة بيتٌ غريب؛ نغادره منذ سنوات، ثم نكتشف أننا ما زلنا نحتفظ بمفاتيحه في أعماقنا. تفتح رائحةٌ عابرةٌ أبوابه، فتخرج منه وجوهٌ غابت، وأصواتٌ ذبلت، وأحلامٌ لم تجد طريقها إلى الحياة. والأغرب أننا لا نشتاق دائمًا إلى الذين رحلوا، بل إلى أنفسنا حين كنّا بقربهم، قبل أن تعلّمنا الخيبات كيف نخفي ألم أرواحنا. في الذاكرة، لا يموت الماضي؛ إنما يغيّر هيئته، ويتخفّى في تفاصيل يومية لا ننتبه إليها إلا حين يخذلنا الحاضر. بعض الذكريات نوافذ نطلّ منها على ما كنّا عليه، وبعضها مرايا تكشف لنا ما حاولنا طويلًا ألّا نراه. ومع مرور الزمن، نفهم أن النسيان ليس محوًا للأثر، بل تحرّرٌ من سلطته على ما تبقّى من أعمارنا. فليس كلّ من غاب يستحقّ العودة، وليس كلّ ما افتقدناه كان صالحًا للبقاء. فكم من بابٍ أغلقناه بأيدينا، ثم قضينا سنواتٍ نحدّق في ظله، ننسى أن الطريق لا يُقاس بما تركناه خلفنا. ولعلّ النضج أن نزور ماضينا دون أن نستأذنه لنعيش حاضرنا...