الليل...بقلم الكاتب إبراهيم العمر


 الليلُ ليس مجردَ وقتٍ يمرّ، بل هو كائنٌ حيٌّ يتنفّس في صدر الزمان، عطوفٌ كالأمّ التي تُدثِّر وجعَ أبنائها بظلامها الدافئ، ومثلُ لمسةٍ خفيفةٍ لا تُرى لكنّها تُشعِر الروحَ بأنّها ليست وحدها في هذا الكون الفسيح. الحبّ في هذا الليل لا يصرخ، بل يتسلّل كهمسةٍ بين طيّات السكون، همسةٌ تحمل سرًّا مقدّسًا لا يُباح إلا للقلوب التي تعلّمت لغة الصمت، وتتوقّع فرحًا لا يأتي من العالم الخارجي، بل من ينبوعٍ داخليٍّ يُروّي ظمأ الوجود.

في عتمة الليل، حيث النسماتُ تداعب الأرواحَ الفَزِعة، لا يكون الخوفُ إلا قناعًا يخفي تحته شوقًا عارمًا للقاء الذات مع ذاتها، فالليلُ هو وقتُ الانبهار الحقيقي، حيث يتوقّف صخبُ الأفكار المزدحمة، ويبدأ الإحساسُ بالوقائع الحقيقية العارية، تلك التي لا تُزيّفها الأقنعةُ ولا تُلوّنها المصالح. الليلُ يُطاوعنا بكلّ إخلاصٍ وطيبةٍ، لا ينتهي معه المشوار لأنّه ليس طريقًا يُقطَع، بل هو فضاءٌ يُعاش، حيث تتوقّف عقاربُ الوقت عن الدوران، وتبدأ الروحُ في الرحيل نحو أعماقها السحيقة.

حنونٌ هو هذا الليل على التنهيدة الجريحة، تلك التي تخرج من صدرٍ مثقلٍ بأسرارَ لم تُقل، فيحتضنها كما يحتضن البحرُ قطرةً ضائعةً، ويعيدُها إلى أصلها الأول. الليلُ مثلما تتوقّع، مداعبةٌ مثيرةٌ لمشاعرَ ذابلة، يوقظ فيها نبضًا كان نائمًا، ويُحيي فيها أملًا كان ميتًا، فهو مثلُ ابتسامةٍ جميلةٍ واسنةٍ، تلمع في زاوية الفم كضوء قمرٍ خجول، ومثلُ الإحساس بقبلة محبّةٍ لشفاهٍ باردةٍ، تُدفِئها لا بنارٍ تحرق، بل بنعيمٍ يُحيي.

في السكون الهادئ الوديع، والعيون الساهرة، لا يكون القمرُ والنجومُ إلا شهودًا على طقوس الروح التي تمارس شهواتها السماوية، شهواتٍ لا تُشبَع بالجسد، بل بالوجود نفسه. الكواكب السماوية تمارس طقوسَ الشهوات المتوقِّدة، تتراقص في أفلاكها كعاشقاتٍ قديماتٍ يعرفن سرّ الخلود، وكم هي شغوفةٌ تلك الليالي، وشهوانة، حتى في الأحلام النادمة، حيث يتصالح الماضي مع الحاضر، وتذوب الفوارق بين ما كان وما سيكون.

حتى في الهواجس الحزينة، حيث يتسلّل الحزن كضيفٍ ثقيل، يجد الليل طريقةً ليحوّله إلى جمالٍ حزين، جمالٍ يُشبِه غروبَ شمسٍ وراء جبالٍ بعيدة، وحتى في الأجساد المنهوكة، التي أنهكها السيرُ في دروب الحياة، يجد الليل ملاذًا آمنًا تستريح فيه من ثقل الجاذبية ومن ثقل الوجود. حتى في الأرواح الناسية، التي نسيت اسمها الأصليّ وهويتها الأولى، يوقظ الليل ذكرى قديمة، ذكرى بأنّا لم نكن يومًا غرباءَ في هذا الكون، بل كنّا جزءًا من نسيجه المتألّق، وأنّ النسيان ليس إلا غفوةً قصيرةً قبل الاستيقاظ على حقيقة أنّنا نجومٌ مؤقتةٌ في سماء الأبد.

الليل إذن ليس مجرد غيابٍ للشمس، بل هو حضورٌ مكثّفٌ لكلّ ما هو حقيقي، حضورٌ يذيب الحدود بين الداخل والخارج، بين الذات والكون، بين الزمان والمكان، ليعيدنا إلى حالتنا الأولى، حالة الاندماج الكلّي مع الوجود، حيث لا فرقَ بين الحالم والحلم، بين العاشق والمحبوب، بين الليل والروح.

إبراهيم العمر


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معاناة صياد...بقلم الشاعر وليد مقنزع

المسجد الأقصى...بقلم الشاعر أحمد سيد خزام

رأيت على الشاشة ذلك الدرب وتلك القلعة...بقلم الشاعر علي عباس

اِفتحي قلبي....بقلم الكاتب رضوان منصور

حكايتي مع الادمان...بقلم الشاعرة عزة ناصف

ابنة الدهر....بقلم الشاعر رضوان منصور

يحكي حكايتنا الغياب...بقلم الشاعر رضوان منصور

لك الله ياجزائرنا...بقلم الشاعر محمد مطر

ولد الهدى فالكائنات ضياء.. بقلم الشاعرة/زكية أبو شاويش