معاناة لا تفسير لها ...بقلم الكاتب والروائي علاء أبو شحاتة
معاناةٌ لا تفسيرَ لها .
أيَا عزيزَ عَيْنِي ، كتبتُ لكَ اليومَ بغزارةٍ ، أعيدُ البَوْحَ الكامنَ بمرارةٍ ، لكنَّكَ قرأتَ على عجلٍ ، ثُمَّ مضيتَ تبحثُ عن مظلةٍ تحميكَ من هطولي !
أتعلمُ سيِّدي ، ليس كلُّ ما يرغبُ فيه الآخرون يرنو له فؤادي ويسعى إليه ، فالسَّهلُ المألوفُ لا يروقني ، اخترتكَ رجلي من بين العالمين ، وأنا امرأتكَ التِّي أغنتكَ عن كلِّ امرأةٍ ، فإن سَحَركَ الرَّحيلُ لغيري فلستُ مَن يجيدُ فكَّ أسحارِ الغوايةِ ، وولوجِ عوالمَ سفليَّةٍ ، فأنا - كما تعلمُ - أسكنُ رؤوسَ الجبالِ ، وأعانقُ نجومَ السَّماءِ ، فإن تسرَّبتُ من قبضةِ يديْكَ ، وخانتكَ حنايا قلبكِ ! أتظنُّكَ تَجمَعُ شتاتكَ بألفِ ألفِ امرأةٍ دوني ؟ لا أظنُّ ! فبعضُ النَّساءِ يا عمري وطنٌ لا يخمدُ الحنينُ إليه مهما انطوتْ من سنواتٍ ، ورحلَ في إثرها قطارُ العمرِ أملًا في ارتواءٍ زيَّنه لكَ شيطانُ الغُوايةِ بأرضِ الجواري والإماءِ ، وإذا بكَ تعودُ بقلبٍ واهنٍ ، وذاكرةٍ مهزومةٍ كبقايا حربٍ ، تتساءلُ ؛ لمَ كانتْ ؟ وعلامَ انتهتْ ؟ فلا غالبٌ ولا مغلوبٌ ، أو هكذا يخادعكَ العنادُ بمذهبٍ فاسدٍ لا حجةَ له ، ولكنِّي أُقرُّ لك وأعترفُ بأنَّ الشَّرقيّ متعددُ الأوطانِ لا يمكنُ الوثوقُ به ، وحتى لو أدركني التَبَعثرُ بخطوطِ عشقكَ لا أميلُ إلي شعورِ الضَّعفِ ولا أنحني .
ثُمَّ ... أفيقُ من نومي على صوتكَ الحاني ، ويدكَ تداعبُ خصلاتِ شعري ، وتُغرقُ عيني بعشقٍ كالطُّوفانِ لا نهايةَ له ؛ " الحبُّ يا أملي معاناةٌ وألمٌ ولذةٌ غامضةٌ لا تفسيرَ لها " ، يا لكَ من ماكرٍ ! تعلمُ كيف صَنَعَ بي حبِّك ؟ فإذا كلُّ ما سبق كان أضغاثَ أحلامٍ لا أساسَ لها سوى في عقلٍ شتَّته هواكَ ، وقلبٍ يهيمُ بكَ عشقًا ، أرهقته مخاوفه وتعلُّقه بكَ .
أيَا رجلي وسيِّدي ، كيف السَّبيلُ إلى إطفاءِ غَيْرَةِ عشقٍ لا تهدأُ ولا تنتهي ؟
أجبتها .
إلى أعقلِ نساءِ العالمين ، وأكثرِهم جنونًا وضراوةً ، إلى مَن تأتي كحلمٍ ساحرٍ ، تأتين ومعك البشارةُ ، يبحثُ المرءُ عمَّا ينقصه ليُكملَه ويُرمِّمَ أركانَه ، وأعلمُ أنَّ ما يعنيكِ ملاذُ ثقةٍ وطمأنيةٍ ، وأعلمُ أنَّكِ اليومَ انهمرَ بَوْحُكِ كمطرٍ غزيرٍ يروى عطشَ أيامي واشتياقي لكِ غاليتي ، ولكن ماذا عن طوفانِ حبٍّ لم تصمدْ أمامه حصونكِ الأبيِّةِ ، وراق لك أتونُ إعصاره .... وصبرتُ أنا على قسوةِ صدِّكِ ودلالكِ ، حتى لانت قلاعُكِ ، وقَبِلَ قلبُكِ تلاقٍ تأخَّرَ فوق طاقتي واحتمالي ، أتظنِّين سلطانةَ قلبي بعد معاناتي ومأساتي أن تمرُّ كلماتُكِ مرورًا عابرًا ؟ وأنتِ على ثقةٍ أنَّ كلمةً منك تُحييني ، وهجرًا منكِ يقتلني وينثرُ أجزائي وأشلائي ، ويزلزلُ غرفاتي وأركاني ؟
مَن ذا الذي يغنيني عنكِ حبيبتي ، وأنتِ التِّي صنعكِ لي الإلهُ بجمالٍ لا نظيرَ له ؟ وأنتِ عِوضُ السَّماءِ من بعد شقاءٍ وألمٍ وحرمانٍ ؟
ثُمَّ دعيني يا قدري أعترضُ عليكِ ولو لمرَّةٍ يتيميةٍ ، أمارسُ بها حقًا أنتِ فيه الخصمُ والجلَّادُ والحَكَمُ ؛ أنَّى لمَن غرقَ في هواك حدَّ السُكرِ والثُّمالةِ أن يكررُّ خطيئة آدم ، وأفرِّطُ في جنَّتي وسرِّ فرحتي وملاذي وموطني وحياتي ؟
وهل يرضيكِ ما آلت إليه حالُ الفرزدقِ مع نَوارَ حين طلَّقها وقال :
وَكُنتُ كَفاقِئٍ عَينَيهِ عَمدًا .
فَأَصبَحَ ما يُضيءُ لَهُ النَّهارُ .
وَلا يُوفِي بِحُبِّ نَوارَ عِندي .
وَلا كَلَفي بِها إِلّا اِنتِحارُ .
نعم ، حبيبتي ، الحبُّ يا أملي معاناةٌ وألمٌ ولذةٌ غامضةٌ لا تفسيرَ لها ، ولكن يكفيني تفسيرٌ وحيدٌ لا أريدُ غيرَه ؛ أنِّي أحبُّكِ .
اقتباس من كتابي أحببتك رغم أنف قبيلتك وقبيلتي
الكاتب والروائي د ـ علاء أبو شحاتة

تعليقات
إرسال تعليق