شهادة وفاة....بقلم الكاتب والروائي علاء أبو شحاتة
شهادةُ وفاةٍ
الزّمانُ :
الثّاني عشرَ من تموز .
المكان :
محكمةُ الأسرة حيثُ فضُّ النّزاعات بين المختصمين .
وصل " عادل " إلى قاعةِ النّظرِ في القضية التي رفعتها
ضده مَن رافقته نصفَ محطات عمره أو قريب ، جلس يحدّث
نفسَه ويتأملُ جدرانَ القاعةِ وكراسيّها التي تشهدُ على
خصومات مَن اجتمعوا يومًا على فرحةٍ ظاهرُها الرّحمةُ
وباطنُها الغدرُ والمكرُ والحقدُ وجذورُ الانتقامِ ، هنا جلس من
ادعى عشقًا لمَن استحلّ محارمها بكلمةِ الله ، وهنا قبعت مَن
غدر بها حظُّها وأوقعها في حبائل أشباه بني الإنسانِ ، هنا
كُتبت نهاياتُ قصصٍ بدأت بأناسٍ أقبلوا على السّعادةِ من
بوابةِ مواثيقِ الحبِّ والزِّواج أو هم يظنّون ، وهم لا يعلمون
أنّها فخاخٌ قاتلةٌ لكلِّ منابعِ البراءة ِوالسّعادةِ وراحةِ البالِ ،
جلس يراقبُ المارين والجالسين والطّرقاتِ ، الجلوسُ يترقّبون
قدومَ السّادةِ القضاةِ إيذانًا منهم بفضِّ الاشتباكِ ، وترسيمِ
الحدودِ بين أعداءِ اليومِ وأحبّاءِ الأمسِ ،أو هكذا كانوا يظنّون.
الحاجب :
- محكمة .
يدخل القضاةُ ، ويتخذون أماكنَهم ، ويبدأُ الحاجبُ بالنّداء على
المتخاصمين حسب ترتيبهم .
- المدعية " ليلى توفيق " .
- نعم يا فندم .
- المدّعَى عليه " محمد عبد الحميد ".
- نعم سيادةَ القاضي .
- وفقًا لتقرير الحكمين ، فقد تمّ الاتفاقُ بينكما على الطّلاقِ وتركِ المسائلِ الماليةِ للقاضي .
تسارعُ " ليلى " :
- نعم سيادةَ القاضي .
- وأنت يا " محمد " .
متردّدًا بصوتٍ مرتجفٍ :
- نعم ، ولكن ....
- ولكن ماذا ؟ ... ردّد ورائي ، أنا " محمد عبد الحميد " أطلّقُ زوجتي " ليلى توفيق" طلقةَ أولى بشهادةِ الشّهودِ .
- أنا "محمد عبد الحميد " أط....
- ماذا دهاك ؟
- لا أستطيعُ .
- طلّقني يا بني آدمَ ، لا أطيقُ الحياةَ معاك .
- هدوووووء ، راجعي نفسَك مرةً أخرى يا " ليلى ".
- لا يا سيادةَ القاضي .
- وماذا عنك يا " محمد " ؟
- متمسّكٌ بها سيادةَ القاضي .
- إذن نحيلكما للحكمين مرةً أخرى لمحاولةِ الصّلحِ أو الاتفاقِ مجددًا على الطّلاقِ .
تخرج "ليلى" وقد تملّكها الغضبُ وهي تنظرُ لزوجها
بازدراءٍ واحتقارٍ .
الحاجب :
- المدّعية " لولوة محمد " والمدّعَى عليه "حمود القحطاني " .
- نعم سيادةَ القاضي .
- هل اتفقتما على الطّلاق ؟
تسارع لولوة :
- طبعًا سيادةَ القاضي .
- وأنت يا " حمود " .
يسرحُ " عادل " بخاطره ....
- أفق من أوهامك ، ودعك من تقمّصِ دورِ الضّحيةِ .
- أيّةُ ضحيةٍ حبيبتي ، وأنا أسيرُ دائرتك لا أدري كيف أرضيك أو أتحاشى نوباتِ غضبك التي لا تنتهي ؟
- تحملّتُ نزواتِك وتقليلك من شأني ، وصلتُ معك لحافة الانهيار النّفسيِّ ؛ زوجةٌ فاشلةٌ ، وأمٌّ فاشلةٌ ، وحتى في مجال عملي فاشلةٌ ، حسبي اللهُ ونِعمَ الوكيلُ فيك ... تنخرط في حالةٍ من البكاءِ والهياجِ .
يضمّها إلى صدره محاولًا تهدئتها ، تدفعه بعيدًا عنها، تندفعُ نحو المطبخِ ، تصرخُ ، وتقذفه بالأطباقِ والأكوابِ مع نظراتٍ من التّعاطفِ من أبناهم نحوها، ونظراتِ كراهيةٍ وغضبٍ صامتٍ تفضحه عيونهم نحو أبيهم ، يسارعُ مغادرًا البيتَ هروبًا من الجحيمِ المشتعلِ ، يقودُ سيارَته على غيرِ هدىً ، يطرقُ البابَ على صديقه.
- ماذا بك صديقي ؟
يسارعُ إلى أقربِ كرسيّ ، ويستلقي عليه وهو يرتجفُ .
- هوّن عليك صديقي ، هل تشاجرتما مجددًا ؟
- لا أدري كيف أرضيها ، ولا أحتوى جنونَها وسلسلةَ اتهاماتها التي لا تنتهي .
- هوّن عليك صديقي ، ما رأيك لو نخرجُ سويًا ، ونتمشّى بالكورنيش ؟
- لا أريد ، تمنّيت لو تبقّى عندها شيءٌ من رحمةٍ أو وفاءٍ أو احترامٍ لشيءٍ جمعنا يومًا ما عبر رحلةٍ تجاوزت العشرين عامًا بما يُسمّى بالميثاقِ الغليظِ ، تمنّيت لو أنّها خيّبت ظنّي هذه المرّةَ ، والذي ما خيّبته فيها يومًا ما ، رغم رعودِها وعواصفها وغدراتها عبر سنيّ عمري التي سرقتها منّي في ظلمات الجبِّ وعتمةِ الليل الكئيبِ .
- هون عليك يا رجلُ ، لا أحدَ يستحقُّ كلَّ هذا الوجعِ ، تكادُ تقتلُ نفسَك كمدًا .
يفيق على وقع خطواتِها هي وأخيها إلى قاعةِ المحكمةِ ، يضحكُ من نفسه ، فسرعانَ ما تبدّدَ هذا التمنّي السّاذجَ حين رأها تنشرُ ظلمتَها في المكان ، حينها انقبض قلبُه لمّا رأها ونال منه الهمُّ والحسرةُ على عمرٍ غالٍ ضاع حيثُ لا ينبغي أن يضيعَ ، يمرُّ أمامه شريطُ حياتهما كقطراتِ ماءٍ اضطرّت إلى الهروبِ من حرِّ المكانِ وقسوةِ الزّمانِ ، حين اختارت أن تتصاعدَ إلى السّماءِ لعلّها تجدُ مَن يحنو عليها من لهيبِ السّجنِ وقسوةِ السّجاّنِ ؛ هذه قطرةٌ يراها تغادرُ سجنَها تحملُ رمزَ حسنِ النّيةِ التي طالما نالت منه وأرهقته ، واستباحت كرامته وشوّهت بساتين الفرحةِ والنّقاءِ ، وهذه أخرى اسمها دائرةُ التّبريرِ اللعين حين قَبِل - وهو النّجمُ السّاطعُ - أن يكون تابعًا لمدارِ كوكبٍ مظلمٍ لا يُحسنُ إلا سلبَ طاقتِه وتجريده من ضيائه ورصيده من الحياة ، قطرةٌ أخرى على وشكِ الانفلاتِ من قاعةِ الأملِ المؤّجلِ أو من قاعةِ أطواقِ النّجاةِ من رحلةِ الموتِ التّعيسِ ، تلك القطرةُ المسكينةُ التي ارتسمت في لوحةِ العتمةِ نورًا وتضحيةً وتقبلًا واحتواءً ، ولكن هيهاتَ هياتَ أن يفيده مصباحُه في دروبٍ من النّقصِ والحقدِ وحبِّ التّملكِ والانتقامِ .
الآن تبخّرت كلُّ قطراتِ البراءةِ والسّذاجةِ والانخداعِ بزيفِ
المظاهرِ وكيدِ السّاحرين ... لم يهشّ وجهُه حين رآها بالمكان.
لم تتسارع نبضاتُ قلبه كما كانت وهي في رحلةِ الموتِ المُحتّمِ
والأكيدِ ، لم ينخدع قلبُه هذه المرّة وهو يُقلّبُ ورقاتِ الظّلمِ
التي قدّمتها لتمارسَ سحرَها الأسودَ لإعادته لقيودِها وسجنِها
المُظلمِ من جديدٍ ، تقع يده على إحدى تلك الأوراق السّوداءِ
الكالحةِ بسوادِ قلبِها وعتمةِ دربِها اللعينِ ، وكم من المضحكاتِ
المُبكياتِ بقاعاتِ فضِّ المنازعاتِ وتخليصِ اللانظائر
والأشباه ، وثيقةُ الميثاقِ الغليظِ التي تخطّى عمرُها عشرين
عامًا دارت بها الدّنيا لتكونَ إحدى ورقاتها للمساومةِ وكسرِ ما
تبقّى من كرامته وملامح المروءة والحياةِ .
يصرخُ في جدرانِ ضميره لعلَّ صدَاها يوقظه من خداعِ وضلالِ
السّنين :
- خانتكِ نفسُكِ المعتمةُ هذه المرة أيّتها المرأة السّراب ،
فما عاد لكِ رصيدٌ يُبقي عليكِ ، ولا سحرٌ يشدّني إلى ظلمكِ
وظلامكِ وظلماتِ قيدك الرّهيب .
يفيقُ على صوتِ الحاجب :
- المدعية إيمان أحمد ، والمدعى عليه عادل أمين .
- نعم سيادة القاضي .
- تؤّجلُ القضية لجلسة الحادي والعشرين من ديسمبر القادم إلى حين ورود تقرير الحكمين .
يتأملُ كيف وقف في هذه السن لأول مرة في حياته أمام قاضٍ
داخل جدران محكمةٍ ، ومَن الذي دفع به إلى هذا الموقف
المخزي ؟ إنّها زوجته التي طالما احتمت به واختبأت خلف
ظهره ، ها هي اليوم تخاصمه وتحتمي خلف ظهر المحامي
الذي جاء ليدبرَ لها خلاصها بالخداعِ والباطلِ ، يغادرُ المكانَ
سريعًا سريعًا دون أن تتعلّق بذراعه ، كما كان يحتويها في كلِّ
مرةٍ يكونان فيها سويًا ، تاركًا لها ورقةً أخيرةً أودعها قاضي
الأرضَ في سجلاته ، تحملُ عنوانًا بارزًا لا تخطئه عينٌ ، ولا
ينخدعُ له قلبٌ ، عنوانه : " شهادة وفاة " .
اقتباس من كتابي ( طرق لا تؤدي إلى روما )
بقلم : الكاتب والروائي د ـ علاء أبو شحاتة

تعليقات
إرسال تعليق