قراءة تحليلية بقلم الناقد والمحلل فضيل حاج بن عدة،للنص الشعري (كوني أرضي) بقلم الشاعر يوسف بلعابي


 النص: كوني أرضي

بقلم: يوسف بلعابي - تونس


---


بسم الأرض التي هي حلمٌ ووطنٌ وربيع


ما هذا النص يا يوسف؟ أقصيدةٌ كتبتَ أم أنك وقفتَ أمام أرضٍ وقلتَ لها: كوني أرضي؟


هذا ليس نصاً غزلياً فقط... هذا نشيدٌ فلاحيٌ... صلاةٌ زراعيةٌ... عهدٌ بين الفلاح وأرضه!


كوني أرضي

أحلامي بك

أرض ندية خصبة


الله الله! استهلالٌ من ثلاث كلماتٍ فقط: كوني أرضي... كأنك تقول لها كوني قدري... كوني وطني... كوني حلمي... كوني خصبي... فالأرض عند الفلاح ليست تراباً... بل هي وجوده كله!


أولاً: في هندسة النص... قصيدة الفلاح العاشق


هذه القصيدة مبنيةٌ على ثنائيةٍ قديمةٍ قدم التاريخ: الفلاح والأرض... الرجل والمرأة... الزارع والمزروع


أنت الفلاح... وهي الأرض...

أنت المعول... وهي الثرى...

أنت الماء... وهي الروضة...

أنت البذرة... وهي الحقل...


وهذه الثنائية هي أصل الحياة... فمنذ آدم... والإنسان فلاحٌ... والأرض أنثاه...


بنيت نصك على أفعال الفلاحة كلها:

أدخلك فلاح

أشمر على ساعدي

تمنحيني معولاً لأحرثك

لأغرس أشجاري

وأزرع بقولي وخضرواتي

أسقيك بعذب مائي

بعرقي ودمي أسقيك


يا يوسف! هذا ليس غزلاً... هذا دليل الفلاحة... من الحرث إلى الغرس إلى الزرع إلى السقي... بالعرق والدم!


ثانياً: مواطن القوة... حيث تصبح الأرض جنّة


1. قوة الاستعارة الكبرى: المرأة أرض:

كوني أرضي الطيبة

يا جنتي في دنيتي


ما أبلغك! لم تقل كوني حبيبتي... كوني زوجتي... بل قلت كوني أرضي... فالأرض أبقى من الحبيبة... الأرض لا تخون... الأرض تعطي إذا أعطيتها... الأرض طيبةٌ... والأرض جنةٌ في الدنيا...


وهذه استعارةٌ قرآنيةٌ: نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم... فالمرأة حرثٌ... والأرض حرثٌ... وكلاهما يعطي إذا أحسنت حرثه وسقيه!


2. قوة الكنز المدسوس:

فأنا الكنز المدسوس تحت ثراك


يا الله! ما هذه الصورة! أنت لست فوق الأرض فقط... أنت كنزٌ مدسوسٌ تحت ثراها... كأنك تقول: أنا منكِ وفيكِ... أنا بذرتكِ وكنزكِ... مدفونٌ فيكِ... فإذا حرثتني... وجدتني!


وهذا هو الحب الحقيقي: أن يكون المحب كنزاً في أرض حبيبته... لا ضيفاً عابراً!


3. قوة السقي بالعرق والدم:

وبعرقي ودمي أسقيك


ختمت بأجمل ما يختم به الفلاح: العرق والدم... فالأرض لا تُسقى بالماء فقط... بل تُسقى بالعرق... بالجهد... بالدم... وهذا هو الوفاء الفلاحي: أنا خادمك... أسقيك بعرقي ودمي... لا بماءٍ عابر!


4. قوة الروضة والبلابل:

لتكوني روضة غناء مخضرة مزهوة بألوان الورود وفوقها تحوم البلابل تغرد وتشدو


بعد الحرث والغرس والزرع والسقي... تأتي النتيجة: روضةٌ غناء... مخضرة... مزهوةٌ بالورود... فوقها بلابل... تغرد وتشدو... فالحب عندك ليس حرثاً فقط... بل هو نتيجةٌ... جنةٌ... ربيعٌ... بلابل!

!


ثالثاً: مواطن اللمس الحريري... بميزان العمادة (لنبني لا لنهدم)


ونصٌ رائحته ترابٌ وماءٌ وعرقٌ لا يُنتقد... بل يُشم... لكن العميد يضع بذرةً بجانب المعول:


1. في باب المباشرة الزراعية: استخدمت كل مفردات الفلاحة بشكلٍ مباشرٍ وجميل: معول، أحرثك، أغرس، أزرع، أسقيك... وهذا يعطي صدقاً... لكن كثرة الأفعال الزراعية في نصٍ قصيرٍ قد تجعل الإيقاع تقريرياً... فلو تركت فعلاً واحداً... الحرث مثلاً... وعمقته: دعيني أحرثك حرثاً يليق بطيبتك... لكان التركيز أقوى من التعدد... فالأرض تحب حرثاً عميقاً واحداً... لا حرثاً سطحياً متعدداً!


2. في باب اللغة: لغتك فصحى بسيطة عذبة... وهذا يليق بنصٍ فلاحيٍ... لكن بعض الجمل تحتاج لمسةً نحويةً: وأزرع بقولي وخضرواتي... أظنك تقصد بقولي أي البقول؟ فلو قلت بقولي وخضراواتي أو بقلي وخضاري... لاستقام المعنى... فالبقول كلمةٌ دقيقةٌ في الفلاحة!


3. في باب الترجمة الإنجليزية: ترجمت النص إلى الإنجليزية وهذا جهدٌ مشكورٌ كسفيرٍ للأدب التونسي... لكن الترجمة جاءت حرفيةً: I grow my legumes and vegetables... I am the treasure tucked under your trap... كلمة trap تعني فخ... بينما تقصد ثراكِ... فلو كانت under your soil... لكان أدق... فالترجمة تحتاج مراجعة شاعرٍ إنجليزيٍ... لأن الأرض لا تُترجم... بل تُحس!


رابعاً: الحفر في الجذر... في فلسفة الأرض


يا يوسف... قصيدتك ليست عن امرأةٍ فقط... بل عن الانتماء...


أنت تقول: كوني أرضي...


فالأرض ليست ملكاً... بل هي انتماءٌ...


والفلاح لا يملك الأرض... بل الأرض تملكه... هو خادمها... بعرقه ودمه يسقيها...


وأنت تقول: فأتركيني حراً لأفعل ما أريد... كي أسقيك...


فالحرية عندك ليست حريةً من الأرض... بل حريةٌ من أجل الأرض... أن تكون حراً لتخدم أرضك... لتسقيها... لتجعلها روضةً غناء...


وهذا هو الحب في أسمى معانيه: أن تكون حراً... لكن حريتك كلها... لأجلها!


وختاماً... ثلاث بذورٍ نزرعها في منتدى الفكر... لنرى أي أرضٍ ستكون أرضنا:


السؤال الأول - سؤال الأرض والحرية:

قلت وتحرريني وتطلقي يدي... فهل الأرض تحرر الفلاح؟ أم تأسره؟ وهل الفلاح حرٌ بدون أرض؟ أم أن حريته في أن يكون له أرضٌ يخدمها بعرقه ودمه؟


السؤال الثاني - سؤال الكنز المدسوس:

قلت فأنا الكنز المدسوس تحت ثراك... فهل الكنز يُدفن تحت الثرى؟ أم يُزرع؟ وهل إذا كنت كنزاً مدسوساً... هل ستجدك الأرض؟ أم ستبقى مدسوساً إلى الأبد؟


السؤال الثالث - سؤال الروضة والبلابل:

قلت لتكوني روضةً غناءً... فوقها تحوم البلابل... فهل الروضة تكون روضةً بدون فلاحٍ يسقيها بعرقه ودمه؟ وهل البلابل تحوم فوق أرضٍ لم تُحرث؟ أم أن البلابل لا تأتي إلا بعد الحرث والغرس والسقي؟


انتهى الحفر... ووجدنا أنك لست فلاحاً يطلب أرضاً... بل أنت أرضٌ تطلب فلاحاً... وكنزٌ يطلب من يحفره... وربيعٌ يطلب من يسقيه!


نصٌ ترابيٌ... من فلاحٍ تونسيٍ... يقول للمرأة: كوني أرضي... لأكون كنزك!


بقلم عميد منتدى الفكر للعلم والمعرفة العالمي

الأستاذ الدكتور الناقد والمحلل الأكاديمي

فضيل حاج بن عدة

التاريخ: 16/10/2026

-------""""""----


"كوني أرضي"

أحلامي بك

أرض ندية خصبة

فيا ليتك تكوني أرضي

وتحرريني  وتطلقي يدي

تدعيني أدخلك فلاح

وأشمر على ساعدي

وتمنحيني معولا لأحرثك

لأغرس أشجاري

وأزرع بقولي وخضرواتي

فأنا الكنز المدسوس تحت ثراك

فأتركيني حرا لأفعل ما أريد

كي أسقيك بعذب مائي

لتكوني روضة غناء

مخضرة مزهوة بألوان الورود

وفوقها تحوم البلابل تغرد وتشدو

يا ربيع عمري

وأجمل فصولي

يا صباحي المشرق

ويا جنتي في دنيتي

فكوني أرضي الطيبة

فأنا خادمك 

وبعرقي ودمي أسقيك


بقلمي يوسف بلعابي تونس


be earthly


 my dreams of you

 fertile dew land

 I wish you were my land

 Set me free, release my hand

 Let me enter you as a farmer

 And roll up my arm

 And give me a shovel to plow

 to plant my trees

 I grow my legumes and vegetables

 I am the treasure tucked under your trap

 Leave me free to do whatever I want

 To water you with watery sweetness

 To be a singing nursery

 Greenery blooming in the colors of roses

 And above it hovering, the nightingales sing and sing

 Oh spring of my life

 And my most beautiful classes

 Oh bright morning

 Oh my heaven in my world

 Be my good land

 I am your servant

 With my sweat and blood I will water you


 Written by Youssef Boulaabi, Tunisia

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مدرسة الحكواتي الأدبية(اللقاء الرابع عشر)...بقلم الشاعر الكاتب سالم غنيم

مابين يوم وليلة...بقلم الشاعر خالد عبيد الطلبة

يادار....بقلم الشاعر سعيد داود

زينب فجر الخلود...بقلم الشاعر أركان القره لوسي

تشظي...بقلم الشاعر محمد أكرجوط

كعادتي...بقلم الشاعر لطف لطف الحبوري

هذا الذي ورث الرسول....بقلم الشاعر كمال الدين حسين القاضي

مصر ياغالية....بقلم الشاعر عبد عبد الكبير محمد أحمد

خليل الروح ....بقلم الشاعر أحمد العك