فلسفة الألف متر...بقلم الكاتب عبد الله إبراهيم جربوع
فلسفة الألف متر
نبدأ برقم بارد لا يكذب: كل مساحة الأرض التي تطعم البشر اليوم هي 8.5 مليون كيلومتر مربع فقط. الباقي من الـ 17 مليون هو علف للمواشي. إذا وزعتها على سكان الكوكب الثمانية مليار، كان نصيب كل واحد منا ألف متر مربع. مربع صغير، 31.62 متراً في 31.62 متراً. هذا هو بيتك الحقيقي، هذا هو ما يقف بينك وبين الجوع. هذا المربع، إذا أحسنت خدمته بزراعة مختلطة من قمح وبطاطا وخضرة، يعطيك حوالي ثمانمائة كيلوغرام في السنة. ثمانمائة كيلو هي بالضبط حد الكفاف.
من هنا جاءت فكرتك الأولى، وهي فكرة كل الحضارات: لنضاعف الأرض. لكن مضاعفة الأرض تعني أن نقطع غابات الأمازون ونحرق رئة العالم. والله يقول ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها. فالطريق مسدود.
ثم ظننت أننا بعد 33 سنة سنصبح الضعف. والحقيقة أننا لن نتضاعف، بل سنبلغ ذروتنا عند عشرة مليارات ونصف ثم نبدأ بالانحسار، لأن معدل الولادة انهار في كل مكان. المشكلة ليست في العدد، بل في الجشع. نريد أن يأكل العشرة مليارات كما يأكل الأمريكي الذي يلتهم وحده ثلاثة أضعاف الألف متر.
ولو فرضنا أننا هربنا 80 عاماً إلى الأمام، سيأتي امتحان آخر أشد: نفس الألف متر لن تعطي ثمانمائة كيلو. ستنقص إلى خمسمائة بسبب الحر ونقص الماء، تصديقاً لقوله ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. هنا يفشل كل حساب مادي.
وهنا لو سألت أنت السؤال الذي يقلب الطاولة كلها: وهل الله موجود في 2026 ولن يكون في 2106؟ حاشاه سبحانه. وهذا هو مفتاح الفلسفة كلها.
الله هو الرزاق، وفي السماء رزقكم وما توعدون، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. لكنه سبحانه جعل للرزق سنناً، وأول سنة هي العمل. لهذا لما رأى يوسف المجاعة قادمة بعد سبع سنين، لم يقل سيأتي الله بالرزق، بل وضع خطة دولة كاملة: تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله. فالأخذ بالأسباب عبادة.
ثم تأتي المرتبة الأعلى التي لا تدخل في الآلة الحاسبة، وهي البركة. ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. نحن نحتسب الثمانمائة كيلو، والله يرزق من حيث لا نحتسب فيجعل فيها بركة الألف وخمسمائة. والتقوى في فلاحة الأرض ليست كلاماً، هي ألا تسرف في الماء وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، وألا تسمم التربة، وأن تعطي العامل حقه وتخرج زكاة زرعك.
ولهذا خُلقنا أصلاً: هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها، أي طلب منكم إعمارها.
الخلاصة أن فلسفة الألف متر ليست فلسفة جغرافيا، بل فلسفة توازن: نعمل في الألف متر كأن كل شيء علينا، ونتقي الله فيها كأن كل شيء عليه، فيكفي المتر ويفيض.
عبدالله ابراهيم جربوع

تعليقات
إرسال تعليق