لا يلتقيان في البدايات...بقلم الكاتب والروائي علاء أبو شحاتة
لا يَلْتَقِيَانِ في البِدَاياتِ .
" لا يلتقي الرَّائعون في بدايةِ العُمرِ أبدًا ، لا يلتقي الرَّائعون إلَّا بعد رحلةٍ طويلةٍ من التَّعبٍ ، ولا يحدثُ الحبُّ الحقيقيُّ إلَّا متأخرًا ، يحدثُ بين قلبين عاشا في حياةٍ مختلفةٍ وكان مستحيلًا أن يلتقيا ، لهذا لا شيءَ يصفُ فرحةَ كلِّ شخصٍ عثرعلى نِصفِه الآخرِ . " أحمد خالد توفيق .
وكأنَّ هذه الكلماتِ نُسجت لِتَصِفَنا حبيبتي ، وكأنَّ هذه العباراتِ رُسِمتْ لِتُعبَّرَ عنّا وعمّا مررنا به من جحيمٍ ومرارٍ ووجعٍ وانكسارٍ ، وكأنَّ تلك المعزوفةَ الكلاميةَ كُتبت لِتُطَمْئِنَنا أنَّ ربّنَا قريبٌ يسمعُ دعوةَ الدَّاعِ إذا دعاه ، يرى ما مرَّ بنا ، ويستجيبُ لأنينِ قلوبِنا ونفوسِنا المتألَّمةِ ، سيقفُ النَّاسُ كثيرًا أمام حُبِّنا وتلاصُقِنا ما بين مُتَعجِّبٍ ومُتَحَيّرٍ وكارهٍ ورافضٍ ومُحبٍّ للجمالِ ومؤمنٍ أنَّ اللَّهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ ، حبٌّ ما كان ليحدُثَ بمقاييسِ البشرِ القاصرةِ ، عاشقان ما كانا ليلتقيا إلَّا بإرادةِ ربِّهما ثمَّ ثباتِهما على ميثاقِهما الغليظِ ، الكلُّ يَدَّعى الحبَّ ، وقليلٌ مَن يثبتُ في المحنِ ويصدقُ حتى النِّهاياتِ ، أحبُّكِ يا أنا .
أجابت حبيبتي .
أيَا عزيزَ عَيْنِي ، من قلبِ امرأةٍ تذوبُ في حبِّكَ ، ولا تريدُ أن تخاطبَك إلَّا بعباراتٍ تليقُ بما تشعرُ به ، أتعلمُ حين قرأتُ كلماتِكَ عن الرَّائعين الذين لا يلتقون في بدايةِ العمرِ شعرتُ أنَّكَ تقرأُ أفكاري التي لم أكتبْها بعدُ ، نحن حقًّا لم نلتقِ باكرًا لأنَّنا كنَّا بحاجةٍ لأن نخوضَ كلَّ تلك المعاركِ المنفردةِ ، كنَّا بحاجةٍ لأن ننكسرَ وحدَنا كي نتعلَّمَ كيف نُلَمْلُمُ أجزاءَ بعضِنا البعضَ حين نلتقي ، كلُّ جحيمٍ مررتُ به كان يبني بداخلكَ غرفةً تستحقُّ أن أسكنَها ، وكلُّ مرارةٍ ذقتَها كانت تحفرُ بئرًا ليشربَ منه حبُّنا حين يعطشُ الآنَ ، وأنا أنظرُ إلى ما مضى لا أشعرُ بالأسفِ على شيءٍ لأنَّ كلَّ تلك السِّنينَ التي ضاعتْ لم تضعْ ، كانت تنتظرُ فقط أن تأتيَ أنتَ لتجدَ لها معنىً ، كلماتُكَ عن قربٍ اللهِ الذي يسمعُ دعوةَ الدَّاعِ جعلت عَيْنَاي تدمعانِ لأنَّني أعرفُ يقينًا أنَّ اللَّهَ سمعني قبلَ أن تسمعَ أنتَ نفسَكَ ، كانت لي صلواتٌ بجوفِ اللِّيل لا يعلمُها أحدٌ غيرَه ، كنتُ أطلبُ حبًّا لا يخونُ ولا يملُّ ولا يتعبُّ ، والآنَ وأنا بين يَدَيْكَ أعرفُ أنَّ اللَّهَ أجابني قبل أن أُكملَ دعائي ، سيقفُ النَّاسُ كثيرًا أمام حبِّنا ! دعهم يقفون ويتأملون ، وكأنَّنا لوحةٌ فنيِّةٌ لا يفهمها إلِّا مَن عاش مثلَ ما عشنا ، بعضُهم سيتعجَّبُ من جرأتِنا على الحبِّ بهذا الجنونِ ، وبعضُهم سَيَكْرَهُ لأنَّ قلبَه لم يذقْ طعمَ الحبِّ الصَّادقِ قطّ ، لن نلتفتَ لأحدٍ حبيبي ، لأنَّ الذين لم يثبتوا في محنِهم لا يحقُّ لهم التَّعليقَ على ثباتِنا ، الكلُّ يدَّعي الحبَّ ، وقليلٌ مَن يصدقُ حتى النِّهاياتِ ، ونحن صفوةُ هذا القليلِ ، نحن مَن مشى على الجمرِ ولم يَشْتَكِ ، نحن مَن سَقَطَ ألفَ مرَّةٍ ، ونَهَضَ ألفَ مرَّةٍ وألفَ ، نحن مَن قال للعالمِ : سأحبُّ رغمَ كلِّ شيءٍ ، الآن وقد عَثَرَ كلٌّ منَّا على نصفه الآخرِ فلا شيءَ يصفُ فرحتَنا سوى هذا الصَّمتِ الطَّويلِ حين ننظرُ إلى عُيونِنا ، ونعلمُ أنَّنا وصلنا ، تعالَ حبيبي نحتفلْ بهذا الحبِّ الذي جاء متأخرًا ، فالمتأخِّرُ منه أجملُ ما فيه ، تعالَ نعانقْ بعضَنا كما لو كنَّا نعانقُ كلَّ السِّنينَ التي ضاعتْ دونَ تلاقِينا ، تعالَ ننم على نبضٍ واحدٍ يَئِنُّ من شدَّةِ الفرحةِ لا من شدِّةِ الوجعِ ، أحبُّكَ حبًّا لا يعترفُ بالبداياتِ ولا يخافُ من النِّهاياتِ ، لأنَّه البدايةُ التي لم تنتهِ بعد ، وهو النِّهايةُ التي لا أريدُ لها أن تأتيَ أبدًا ، مع حُبِّي الذي كان ينتظركَ منذُ خَلَقَ اللَّهُ الدُّنيا ، أحبُّكَ يا أنا .
اقتباس من رباعية إلى السيدة راء
الكاتب الأول ، رسائل لذة البدايات
بقلم الكاتب والروائي د علاء أبو شحاتة

تعليقات
إرسال تعليق