الحجاب في الغرب،حين يتحول غطاء للشعر إلى قضية رأي عام ....بقلم الشاعر والناقد سعيد محتال


 الحجاب في الغرب:

حين يتحول غطاء للشعر إلى قضية رأي عام


كلما طُرح السؤال: "لماذا يغضب الحجاب الغرب؟" بدا وكأنه يفترض وجود موقف غربي واحد ومتجانس. والحقيقة أن "الغرب" ليس شخصاً واحداً يغضب أو يرضى، ولا كتلة فكرية موحدة تنظر إلى الحجاب بالطريقة نفسها. ففي شوارع لندن وتورنتو تمر المرأة المحجبة دون أن تثير انتباهاً يُذكر، بينما يتحول الحجاب في سياقات سياسية أخرى إلى موضوع جدل انتخابي وقانوني وإعلامي محتدم.


لذلك قد يكون السؤال الأدق: 


لماذا يتحول الحجاب في بعض الدول الغربية إلى معركة سياسية وقانونية؟


علمانيتان لا علمانية واحدة


من الأخطاء الشائعة التعامل مع العلمانية الغربية بوصفها نموذجاً واحداً. ففي فرنسا، يرى قطاع واسع من المدافعين عن مبدأ "اللائكية" أن حياد الدولة يقتضي الحد من إظهار الرموز الدينية في بعض الفضاءات العامة، ولذلك يُنظر إلى الحجاب أحياناً باعتباره منافياً لمبدأ الحياد.


أما في دول مثل بريطانيا وكندا، فتقوم العلمانية غالباً على مفهوم التعددية واحترام التنوع الديني والثقافي، حيث لا يُستغرب أن تعمل المرأة المحجبة طبيبة أو شرطية أو مذيعة أو موظفة في المؤسسات العامة.


لهذا لا يمكن الحديث عن موقف غربي واحد من الحجاب، فالمواقف تختلف باختلاف التاريخ السياسي والثقافي والقانوني لكل دولة.


الحجاب بين التحرر والخضوع


يرى بعض الساسة والمفكرين الغربيين أن الحجاب يمثل رمزاً لإخضاع المرأة أو انعكاساً لعدم المساواة بين الجنسين. ومن هذا المنطلق تُطرح أحياناً مشاريع أو مقترحات ترمي إلى تقييد ارتدائه، خصوصاً في المدارس أو المؤسسات العامة.


لكن المدافعين عن الحجاب يعترضون على هذا الطرح، معتبرين أنه يتحدث عن النساء من دون الاستماع إليهن. فملايين النساء حول العالم يؤكدن أنهن اخترن الحجاب عن قناعة دينية أو شخصية، وأن حرية المرأة لا تكتمل إذا مُنحت حق خلع الحجاب وحُرمت في الوقت نفسه من حق ارتدائه.


وبحسب هذا الرأي، تبقى الوصاية على المرأة وصاية، سواء جاءت من أسرة تفرض الحجاب أو من دولة تفرض نزعه.


ورقة في اللعبة الانتخابية


مع تصاعد الجدل حول الهجرة والهوية الوطنية في عدد من الدول الأوروبية، أصبح الحجاب مادة سهلة للخطاب السياسي، خصوصاً لدى بعض الأحزاب اليمينية والشعبوية التي تربط بينه وبين قضايا الاندماج أو ما تسميه الدفاع عن الهوية الوطنية.


وفي مثل هذا المناخ، تتحول المرأة المحجبة أحياناً إلى رمز يُختزل فيه الجدل حول الإسلام والهجرة والاندماج، بدلاً من النظر إليها باعتبارها مواطنة أو فرداً مستقلاً له خياراته الخاصة.


الأمن والحياد ومخاوف التمييز


تُبرر بعض القيود المفروضة على الرموز الدينية أو على تغطية الوجه في عدد من الدول الأوروبية بأسباب تتعلق بالأمن أو مبدأ الحياد داخل المؤسسات العامة.


كما سمحت أحكام قضائية أوروبية لبعض أصحاب العمل بفرض سياسات تمنع إظهار الرموز الدينية في ظروف محددة، شرط أن تكون هذه السياسات عامة وتشمل الجميع دون استثناء.


غير أن منتقدي هذه السياسات يرون أن أثرها العملي يقع غالباً على النساء المسلمات المحجبات أكثر من غيرهن، مما يؤدي إلى تقييد فرص العمل أو المشاركة الاجتماعية، ويخلق شكلاً من أشكال التمييز غير المباشر.


وتشير منظمات حقوقية إلى أن النساء المحجبات يكنّ في كثير من الأحيان الأكثر عرضة للاستهداف اللفظي أو التمييز، لأن هويتهن الدينية تكون أكثر وضوحاً في المجال العام.


رأي الإسلام


في المنظور الإسلامي السائد، لا يُنظر إلى الحجاب باعتباره مجرد عادة اجتماعية أو رمزاً ثقافياً، بل يُعد جزءاً من منظومة دينية وأخلاقية مرتبطة بالعقيدة الإسلامية. ويستند هذا الفهم إلى نصوص قرآنية ونبوية فسّرها جمهور الفقهاء على أنها تدعو المرأة المسلمة إلى ستر شعرها وجسدها أمام غير المحارم.


وفي الوقت نفسه، يؤكد كثير من العلماء والمفكرين المسلمين أن الالتزام الديني الحقيقي يقوم على الاقتناع والاختيار، لا على الإكراه. ؤانها مسؤولة على اختيارها، ولذلك يرون أن إجبار المرأة على الحجاب يتعارض مع مبدأ المسؤولية الفردية الذي يقوم عليه التكليف الشرعي.


ومن هذا المنطلق، يعتبر كثير من المسلمين أن حرية المرأة تشمل حقها في ارتداء الحجاب كما تشمل حقها في عدم التعرض للإجبار عليه. فالحجاب، في نظرهم، تعبير عن الهوية الدينية والقناعة الشخصية قبل أن يكون قضية سياسية أو صراعاً أيديولوجياً.


اللافت أن الخلاف حول الحجاب لا يدور فقط بين المسلمين وغير المسلمين، بل داخل المجتمعات الغربية نفسها. فهناك ليبراليون يعتبرون منع الحجاب انتهاكاً للحريات الفردية، وآخرون يرون أن تقييده ضروري لحماية العلمانية أو المساواة بين الجنسين.


وبين هذين الموقفين تستمر النقاشات القانونية والسياسية والثقافية دون حسم نهائي.


خلاصة القول 


لا يبدو أن الجدل يدور حول قطعة قماش بقدر ما يدور حول ما يُسقطه الناس عليها من تصورات عن الحرية والهوية والدين والعلمانية والهجرة وحقوق المرأة. ولذلك فإن أي نقاش جاد حول الحجاب ينبغي أن يبدأ بالاستماع إلى النساء المحجبات أنفسهن، لا بالتحدث نيابة عنهن.


وفي النهاية، يظل احترام حرية المرأة في اختيار لباسها المعيار الأكثر إنصافاً. فالمسؤولية في المنظور الديني ترتبط أولاً بعقيدة الإنسان وقناعته، لا بقرارات تُفرض عليه من سلطة المجتمع أو الدولة.


سعيد محتال 

المغرب


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة تحليلية بقلم الناقد والمحلل فضيل حاج بن عدة،للنص الشعري (كوني أرضي) بقلم الشاعر يوسف بلعابي

أنسيني؟!!!...بقلم الشاعر البشير سلطاني

مصر ياغالية....بقلم الشاعر عبد عبد الكبير محمد أحمد

خليل الروح ....بقلم الشاعر أحمد العك

أدعوك إلهي....بقلم الشاعر عبد المنعم مرعي

إبليس يعلن عن نفسه....بقلم الشاعرة تغريد طالب الأشبال

نفحات...بقلم الكاتب دفاضل ناصر الحماد

سقوط الأقنعة ونفاق العصر...بقلم الشاعر يونس طاهر

خداع....بقلم الشاعر جاسم الطائي