أضواء على خطبة الجمعة.. وايعفوا وليصفحوا.. بقلم الأديب/د. حسين نصر الدين

 

أضواء ٌ على خُطبة الجُمْعَةِ : اعتلى المنبر اليوم الجمعة الموافق 11/03/2022 الشيخ الكريم الأستاذ/ رزق عبد المجيد ، بارك الله فيه بمسجدِ دعوة الحق الإسلامية برأس البرمحافظة دمياط وعنوان خطبة اليوم(وَلْيَعْفُوا وليَصْفَحُوا) .

 بحث ودراسة بقلم حسين نصر الدين : النصوص(آياتٌ قرآنيةٌ وأحاديث شريفة) من مصادِرِها الأصيلة . .

 الخطبة واقعٌ حيٌ مما ذكره الشيخ الكريم على المنبر وقمتُ بالصياغةِ والتعليقِ بقلمي :

(وَلْيَعْفُوا وليَصْفَحُوا) : بمناسبة رفعِ الأعمال إلى الله عز وجلَ في شهر شعبان المبارك :

من منا لا يسعى من أجل عفو الله ومغفرته، إذا أردت أن يحقق الله أمنيتك ينبغي عليك أن تحقق هذا الخلق في حياتك وواقعك، وأسرتك ومجتمعك ، إنه العفو والصفح ،يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ التغابن: 14 ويقول سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الشورى: 40، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ النور: 22.

قال المفسِرُون أنَّ : هذه الآية نزلت في الصدِّيق ، حين حلف ألا ينفع مِسْطَح ابن أُثَاثة بنافعةٍ بعدما قال في عائشة ما قال في حادثة الإفك ، فلما أنزل الله براءةَ أمِّ المؤمنين عائشة ، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت ، وتاب الله على مَن كان تكلَّم من المؤمنين في ذلك ، وأُقيم الحدُّ على مَن أُقيم عليه ، شَرَع تبارك وتعالى ، وله الفضل والمنة ، يُعطِّفُ الصدِّيق على قريبه ونسيبه ، وهو مِسْطَح بن أثاثة ، فإنَّه كان ابن خالة الصديق ، وكان مسكينًا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر، رضي الله عنه ، وكان من المهاجرين في سبيل الله ، وقد تاب الله عليه منها ، وكان الصديق رضي الله عنه معروفًا بالمعروف ، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب . فلمّا نزلت هذه الآية إلى قوله : ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النور: 22 ، فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك، وكما تصفح نصفح عنك. أي: فإنَّ الجزاء من جنس العمل ، فعند ذلك قال الصديق : بلى والله إنَّا نحبُّ يا ربنا أن تغفر لنا . ثم رَجَع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة ، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا ، في مقابلة ما كان قال : والله لا أنفعه بنافعة أبدًا، فلهذا كان الصديق هو الصديق رضي الله عنه وعن إبنته عائشة الصديقة بنت الصديق . يا لها من عظمة ! الصديق يعفوا عن من؟! يعفو عن من خاض في عرضه بعد أن تاب إلى الله ، بل ويرجع من جديد يتصدق عليه ، يا له من عفو! إنه عفو العظماء . فالعفو بابٌ رفيع للفوز بالجنان ونيل رضا الرب الرحمن؛ قال الله تعالى : ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ♦ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ آل عمران: 133-134. يقول رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُؤوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ" رواه أبو داود والترمذي وحسنه.

وأهل العفو هم الأقرب لتحقيق تقوى الله جل وعلا؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ البقرة: 237. قال ابن عباس: أقربهما للتقوى الذي يعفو العفو والصفح باب عظيم من أبواب الإحسان؛ قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ المائدة: 13. وكما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا" أي أن العفو لا يزيد صاحبه إلا عزاً ورفعةً وسموَّ قدرٍ في الدنيا والآخرة . فمن عفا عفا الله عنه ، ومن صفح صفح الله عنه ، ومن غفر غفر الله له ، ومن عامل الله فيما يحب ، وعامل عباده كما يحبون وينفعهم ، نال محبة الله ومحبة عباده ، واستوثق له أمره أي أنَّ الجزاءَ من جنسِ العملِ . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ الشورى: 37. قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (أي : سجيتهم وخلقهم وطبعهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس) . عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كم نعفو عن الخادم؟ فصمت! ثم أعاد عليه الكلام ، فصمت! فلما كان في الثالثة ، قال: "اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة" رواه أبو داوود والترمذي .

وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ (وللحديث رواية أخرى لعبد الله بن عمر رضي َ الله عنهما قال : كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:(يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى ، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ:إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ . قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا . فَلَمَّا مَضَتْ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ قُلْتُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ : (يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ ، قَالَ : فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ : مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ ؛ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيق ُ .

أثرُ العفو والصفح على الفردِ والمجتمع (كلمة ٌ خاتمة ٌ) : في العفو رحمةٌ بالمسيء ، وتقديرٌ لجانب ضعفه البشري ، وامتثالٌ لأمر الله ، وطلب لعفوه وغفرانه ، وتوثيقٌ للروابط الاجتماعية التي تتعرض إلى الوهن والانفصام بسبب إساءة بعضهم إلى بعض ، وجناية بعضهم على بعض وسبب لنيل مرضات الله سبحانه وتعالى ، وسبب للتقوى وبالعفو تُنال العزة ، والعفو والصفح سبيل إلى الألفة والمودة بين أفراد المجتمع في العفو والصفح الطمأنينة، والسكينة، وشرف النفس. بالعفو تكتسب الرفعة والمحبة عند الله وعند الناس .عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلمّوا إلى ربكم ، وخذوا أجوركم ، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة" . وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ♦ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ الشورى: 36-37 . أحسنَ الشيْخ ُ وأجاد وبارك الله فيه وفي مُتابعتكم لأضواء على خطبةِ الجمعة .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خير الخطائين ،التوابون....بقلم الشاعر يوسف بلعابي

الأجساد شطحات...بقلم الشاعر نورالدين جقار

مراكب الموت....بقلم الشاعر عبد الكريم عثمان أبو نشأت

لم نكن يوما في ساحة الاعلام...بقلم الشاعرة سنية العواد

يااارب ....بقلم الشاعر حسن شيبه

الباب والجمل....بقلم الشاعر خالد جمال

مع الناس(٣)....بقلم الشاعر هادي مسلم الهداد

نظرة ...بقلم الشاعرة زهرة بن عزوز

القب والروح للعشق تعانقا....بقلم الشاعر السيد داود الموسوي

لجوء...وتبقى الفاشر .....بقلم الشاعر معمر محمد بدوي