ثورة القرآن الكريم على الشعر.. بقلم الكاتب/د. عبدالعزيز كيلو
دراسات نقدية
ثورة القرآن الكريم على الشعر
جماليات التعبير القرآني
سورة الواقعة إنموذجا
لا شك بأن القرآن الكريم هو اللفظ العربي المعجز .. وحي من الله تعالى وحد لهجات العرب و حوى جميع قواعد نحوهم و صرفهم و بلاغتهم... و لقد اختار الله تعالى اللغة العربية لغة لوحيه الأمين لما تتمتع به من القدرة على التعبير و التصوير مهما بلغت دقتهما و روعتهما .. الأمر الذي أحدث ثورة حقيقية في البيان العربي المبين و في اللسان العربي الفصيح إذ ما قيمة اللغة العربية و قواعدها و بلاغتها لولا التنزيل الحكيم..؟
و إذا كان حديثنا اليوم يتناول جانبا من جوانب التصوير الفني في القرآن نابع من ضرورة ملحة في هذا الوقت أكثر من أي زمان مضى حيث أن القرآن الكريم مد جسورا تربط اللغة العربية بتراثها الخالد من مكنونات علومها و بلاغتها و دلالة ألفاظها و رونق سياقها الفني المتعدد الجوانب و المختلف الأغراض. و المقاصد في التعبير و التصوير و الرسم بالكلمات هذا من جهة... و من جهة أخري قد حوى القرآن الكريم من قيم الجمال البلاغي ما يجعله أبلغ تأثيرا و استماعا على المتلقي من أي بيان آخر... فهو بيان يترك أثره الواضح في تنمية ملكة التصور الذهني و تذوق جمال التعبير وصفا و رسما بالكلمات في الألباب و العقول... ثم لا يخفى تحريكه لوجدان المتلقي تعلقا و انبهارا به..فيملك إحساس المتلقي انغمارا بين الصورة المرئية العدسية و الصور الحسية المدركة بالوجدان يداخلها التأمل الروحي العارم خشوعا في عالم الغيب .
هنا تستوقفنا " سورة الواقعة " ببيانها الساحر الباهر للألباب مسجلة ضربا من البيان العربي المبين الخالد و المعجز فاق بيان البلغاء و الشعراء المتقدمين لما حققته فعالية التعبير الجمالي فيها من أثر جميل على لغتنا العربية العصماء و لما تتركه من إحساس روحي شفاف يجرده المتلقي من صورها و قوة تعبيرها و معانيها و أفكارها.
حرص البيان الإلهي منذ مطلع السورة على لغة الترميز الوصفي و الفني لإحلال فكرة الترغيب و الترهيب في معنى الحياتين..الدنيا و الآخرة... استنادا إلى إعادة تركيب الصورة المطابقة في الذهن لمعنى العذاب المهين و لمعنى النعيم المقيم.. و خروج الذهن منها إلى إلى الصورة الرمزية المجردة تترك ظلا و رحيقا بالغ الأثر في وجدان المرء ترغيبا بالدار الآخرة و العمل الموصل إليها و ترهيبا من الدنيا و الركون إليها.
و هذه النزعة في الفعالية الفنية للتعبير القرآني تدفع المرء إلى إعادة ترميز و تشفير فكرة الخير و الشر و الثواب والعقاب و إعادة تشكيلها في نفسه بما يعبر عن المثل و الأفكار الإنسانية العلياء... و ربما هذا الأمر نستشفه واضحا في اسم السورة بداية " الواقعة " فكرة مطلقة تحمل من جمال المعنى و الصورة ما يجسد معنى " الجليل " المتصل بالخير الأسمى.. فيها من الترهيب ما ينبع من قدرة الحق سبحانه وتعالى المطلقة في العدم و الإيجاد و قلب الحياة الدنيا رأسا على عقب وصولا إلى يوم الدينونة الكبرى التي يتجلى فيها العدل الإلهي المطلق كما نصت عليه جميع المعتقدات الدينية في الأديان السماوية و الحضارات القديمة
حيث أنه من المعنى المجرد لاسم السورة بما يحويه من هول التشخيص و التجسيم فيحذف ذهن المتلقي صورته المطابقة
و تبرز الصورة الرمز في بؤرة الإحساس محققة هدفا إنسانيا
مشعا بالمثالية.. و هو إثارة الوجدان تفاعلا مع القيم الأخلاقية الراشدة تجنبا من الوقوع في براثن غضب الله في ذلك اليوم الموعود.
و من هنا...يكون عنوان السورة... قد حقق فورة شعورية استباقية متعلقة بالمضمون لا في الشكل في إعادة التشكيل الرمزي ليوم القيامة في ذهن المتلقي.
و من ثم... تبدأ السورة بداية ملحمية تعرب عما اكتنزه البيان الإلهي من قدرات تعبيرية في صياغة الإلهامات الروحية و الأخلاقية و إعادة ترتيب المرء لأوراقه و صياغة تجربته في الحياة الدنيا و جعلها بمستوى يناسب وجدانه المتعلق بالذاكرة و الواقع بالغيب من أجل أن يكون مرشحا لنيل نعيم الجنة.
و نلاحظ منذ البداية تفوق البيان الإلهي على الشعر الدرامي بإثارته لأحداث و حبكات يستمد مادتها من الطبيعة.( الأرض الجبال...السماء...الخ...مثيرة هذه الأحداث لعاطفة الحذر و الخوف..فيتداخل منذ البداية ما هو سماعي مع ما هو شعوري ملتحما هذا التداخل مع تجلي القدرة الإلهية ضمن سياق الإعجاز اللغوي و البلاغي الذي استهلت به الآيات الأولى للسورة فأسلوب الشرط( إذا وقعت ) المؤكد بأسلوب النفي بعده...بنفي عدم إمكان عدم حدوثها...يخلق ضمن سياقه اللغوي بسطا شعوريا و إحساسا بالرهبة و الترصد و الحذر على وجه يبقى معه الذهن مهيئا لاستقبال ما يدرجه السرد القرآني من أهوال حدوث الواقعة و رسم جزئياته في خيال المتلقي تتضافر فيه حاسة
البصر و السمع مع إدراك الفكر و تجسد الصورة الشعورية المحسوسة...فيختبر السامع ضمنيا تجربته مع الخير و الشر في حياته الدنيا.
براعة الإستهلال حركت في نفس المتلقي آلية النظر و التفكر و التأمل عبر تراسل الحواس مرفوقا بتداعيات نفسية تربط المرئي باللامرئي في مخيلة المتلقي.
و ليست هذه الآلية مشابهة لما هو كائن في الشعر المنمق بأجمل الصور و العبارات التي تركز على إثارة خيال السامع للإحساس بمتعة الصورة الشعرية عبر تحريض الذائقة الجمالية للإحساس بالجميل و حسب.
نعم...فبهذا الوعي ندرك علاقتنا مع الطبيعة من حولنا و نمنح عقولنا أقصى مداها في المعرفة و التقييم العقلي و الحسي لكل ظاهرة فيها.. و إذا كانت ظاهرة " القدرة الإلهية " المنبثة في الكون و الوجود أهم ما يمكن أن يستجليه العقل من حقائق كبرى متعلقة بمصير الإنسان و عاقبته فيما وراء هذه الحياة الدنيا و إرتباط ذلك بحقيقة الخير و الشر و علاقة الإنسان بهما... فهذه سورة الواقعة تطالعنا منذ البداية _ كما أسلفنا الحديث عنه في الحلقة الماضية _ بإثارة حقيقة التساؤل و النظر في عاقبة الخير و الشر التي لا يستطيع إدراكها سوى عقل فلسفي حكيم لحسن التبصر في حقائق الأشياء مع استمرار انتظام سردها التعبيري الوصفي محمولا على أسلوب الشرط الزماني مثيرا خلجات النفس و تأملات الفكر الحصيف : ( إذا رجت الأرض رجا ) بما يحمله لفظ الارتجاج من إلتهاب الشعور الحسي و النفسي مع تداخل بلاغة القرآن مع روعة بيانه حيث أن الجناس البديعي( رجت رجا ) يتداخل مع التعبير النحوي مما ممنح الموسيقى التصويرية في سياق العبارة بعدا خاصا أدى وظيفته الفنية في توطيد الصورة و ترسمّها عن ملامح يوم القيامة.. يوم الواقعة.... بإيحاءات الأرض الأنثوية التي تومئ بانتماء المرء لأمه الكونية.. و هذه الصورة و ما يليها من صور... رصدت التراسل الحسي و الشعوري في ذهن المتلقي بين فكرة الخير و الشر من زاوية لامست مخيلته حيث يتصور مآله و عاقبة أمره بعد موته و انتقاله إلى عالم الخلود.
ثم تتابع السورة تشجيرها اللفظي و البياني و تفريعها السردي الوصفي راسمة اللوحة تلو اللوحة عن رهبة يوم القيامة و ما يرافقه من إرهاصات هذا ... و من الملاحظ أن البيان الإلهي يصعد من وتيرة بلاغته موظفا علم البديع بما فيه من جناس و طباق و تصريع و سجع و حسن تقطيع و تأليف و مقابلة..و هذا ما يعرف عند علماء البديع بالبديع الهندسي التذويقي الذي يعبر التركيب اللفظي فيه من الألفاظ البسيطة و المركبة إلى المعاني المجردة التي تعبر عن موضوعاتها على شكل خط بياني سردي و رمزي متشكلا من الوصف الانطباعي المستغرق في حواس السامع... فالآيات من حيث فنيتها _ كما قلنا سابقا _ العلاقات التراسلية في الذات التعبيرية بين حاستي البصر و السمع و الفكر الذي يلامس مخيلة السامع بقوة مغنية للمضمون الإنساني و ترتقي به إلى عالم الطهر من خلال الرسم المعبر عن عظمة العدل الإلهي المطلق و دقته و آلية منح الثواب والعقاب بسكون الكون ثم تحركه عبر ظواهر كونية تثير الرهبة و الخشوع... و لهذا الألفاظ الجزلة البسيطة و المركبة في السورة تخرج من سكونها إلى حركتها في تشكيل اللوحة التجريدية التي تثير دهشة السامع و تجعل من الخوف شيئا عظيما على قلبه و سمعه و فكره معا.. و اقرأ إن شئت قول ذي العزة و الجبروت( إذا بست الجبال بسا فكانت هباء منبثا و كنتم أزواجا ثلاثة ) فاستراتيجية الخطاب الإلهي ترسم هدفا يتسع في خيال المتلقي لرسم صورة تعبر عن عظمة قدرة الله خلف الصور المنطبعة عن صورة الجبال المفتتة التي تنقلب بلحظات إلى مجرد غبار تذروها الرياح.
فالبديع و قوة التصوير و نفاذه في النفس أبلغ تأثيرا و يجب تأثيره تأثير بلاغة الفصحاء و البلغاء و الشعراء المستندة إلى التذويق اللفظي و البصري في الصورة و الشكل و المعنى..و يهيمن عليه حيث يأخذ بلب السامع إلى إلى فضاءات روحية عارمة بالدهشة و الإعجاب بالقدرة الإلهية العلية... و هذا التأثير لا يجيده الشعر مهما كانت عوالمه السنية طرية على الفهم و السمع.
و لا يفوتنا ما تحمله عبارة( و كنتم أزواجا ثلاثة ) من فاعلية بلاغية بين الكلمة المسموعة و الصورة المستنبطة في خيال المتلقي و دلالتها القيمية و السيمائية حيث يرى نفسه السمع يقف على افتراق ثلاثة طرق يتجرد من داخل نفسه جوهر إحساسه الإنساني الذي يدله على مكانه و سبيله الواضح السالك يوم الواقعة هذا ناهيك عن المتعة الجمالية و التذوق الفني
الذي يوفره البيان الإلهي في إحساس المتلقي بعد استيفاء الألفاظ لمعانيها و استفاضتها في الخيال مسجلة تنازعا و صراعا في ارتقاءات النفس بين فئات ثلاثة نضدها البيان الإلهي حسب أعمالها الموزونة بحسبان يوم الواقعة:
( و كنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة و أصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة و السابقون السابقون )
فالبيان الإلهي هنا ينعطف في نفس السامع طلاوة و يأخذ موقعه من نفسه.. نظرا لتأثير المحسنات البديعية التي فحواها استدرار الطاقة النفسيه و الشعورية و الروحية في الاستماع و توالي الأصوات المتماوجة مع اللفظ .
كما أن هذا التشجير و التنويع لفئات البشر في البيان الإلهي غايته تحريض الاستواء العاطفي مع أسلوب الوعظ و الاعتبار و الحض على التقوى و مجانبة الشر... و بغض النظر عن الشرح التفسيري للألفاظ و المعاني نجد أن هذا التقسيم الموضوعي لفئات البشر أغنى اللغة العربية من حيث إتقان الأسلوب في الوصف و تقسيم المعاني حسب الموضوعات في سياق منهجي منتظم... و توجيه البيان العربي المبين ليحقق هدفا و غاية... و لهذا لم تعد الواقعة فرضا ذاتيا للإخبار عما يقع فيها لهذه الأصناف من أحوال النعيم المقيم أو العذاب الأليم بقدر ما تستنزف السمو العاطفي في نفس القارئ إلى درجة عالية من الانفعال خدمة للغرض الإبلاغي و الإرشادي فيها... فيبرز الحدث ماثلا كأن القارئ يعيش في كنفه و يتقلب في أحواله.
فالسابقون السابقون.. أفاد تكرار اللفظ سرعة توالي الحدث و اندراجه في السمع و الخيال حيث تصبح العواطف الوجدانية وسيلة لنقل الأفكار و المعاني... إذ أن ما يصيب هذه الفئة من أحوال النعيم في الجنان استحضارا لفكرة يراد التعبير عنها و هي " التقوى و الخوف من الله " فبدت العواطف في هذا السياق فائرة قريبة من رحمة الله... فالبيان الإلهي لم يعبر عن هذه الفكرة بأسلوب مباشر أو بلغة عادية تقليدية.. بل بلغة تصويرية و فنية و درامية بحساسية جمالية فيها رغبة الإرادة للتشبه بهم بما نالوا به هذا الاستحقاق الإلهي.
فالسابقون..السابقون.. ثلة من الأولين... و قليل من الآخرين.. فانظر إلى لفظ " ثلة" الذي يفيد الكثرة.. و إلى لفظ " قلة " الذي يفيد النوعية... فالألفاظ تتآلف فيما بينها لتشكل نسيجا مركبا من المعاني و الأفكار ضمن سياق اللفظ البديعي " ثلة _قلة " جناس و مقابلة و طباق و سجع و حسن تقسيم و تورية مجازية... و هكذا دواليك.. الصورة الفنية البديعية تغدو ماثلة في البصر و البصيرة تشكل وحيا أساسيا للرسالة الإبلاغية في سورة الواقعة.
فالرسالة الإبلاغية لسورة الواقعة تتمثل بتجلي التوتر الروحي الخلاق الذي يثيره هذا الوصف الجميل لأحوال أهل الجنة و نعيمها المقيم.. و لأحوال أهل النار و عذابها المهين.. و تخلق حالة من الوعي الذي يحدث فينا توترا روحيا و سلوكيا و فكريا ممتزجا بارتقاب يوم الواقعة... فالتشجير البياني لغة حية و ناطقة تنساب في الأسماع انسياب الحقيقة في وفاضها الدلالي تجعلنا نتجاوز أزمة الشك الباطني و الظاهري في قدرة العلي العظيم و توطد سلوكنا على الفضائل الحسنة و تبعدنا عن الرذائل القبيحة.. فننذر نفوسنا بالوعد بالجنة لمجتنب الكبائر و بالوعيد بالنار لمرتكبها
و هذا ما يعرف بتحدي الإرادة الإنسانية لأزمة الصراع بين الخير والشر فيسلم وعينا الإنساني لاحتمالات الإرادة الإلهية التي لا تريد بنا إلا كل خير.
و من هنا ندرك جمالية البيان الإلهي في سورة الواقعة بشكل محسوس جدا من خلال رسم صورة متميزة و فاعلة تنتهي بنا إلى إدراك سر العظمة في قدرة الله العزيز الجبار فتوسع من الخير و معابره في نفوسنا و تسد أبواب الشر من تلج قلوبنا.
فالجنة.. دار كريمة ذات درجات عالية و خيراتها كثيرة و ظلالها وفيرة و مآكلها لذيذة و مشاربها هنية و قصورها منيفة جدرانها من ذهب و فضة و نساؤها الحور العين و خدمها الولدان المخلدون كل ما فيها مسرة للناظرين و طعامها و شرابها فيه لذة للشاربين و الآكلين.
و النار...دار الحسرة و الندامة مساحتها شاسعة و أبوابها واسعة و حرارتها هائلة و طعامها زقوم و أشواك و شرابها حميم و غساق و زمانها أحقاب و أحقاب أعدها الله للظالمين و الكافرين.
هذه الصور البلاغية الاستعارية الرمزية للجنة و النار..تجرد لنا الوجه الإنساني المشرق للإيمان الذي يطبع الفكر و المخيلة لإحلال قدرة الله في إطار فاعلية الصورة البلاغية و الفنية للبيان الإلهي فيعود تفكيرنا و سلوكنا يحاكي هذه الصور الرمزية لتعبر عن موضوعاتها في نفوسنا.
فالتقنين الموضوعي بعد فرز الناس صورة و شكلا و جزاء إلى فئات ثلاث تعبيرا عن قدرة الله المنبثة في الكون الدالة على الخلق و الإيجاد و التكوين و العدم... هو تضمين جدلي تثيره العبرة في باطن نفس المتلقي لإحلال الفكرة في المادة سواء أكانت لونا أو حجرا أو خشبا أو ذهبا أو فضة... فاقرأ إن شئت قوله تعالى:
( أفرأيتم ما تحرثون. .. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون )
فالصورة المطابقة تفصح لنا عن قدرة الله العجيبة الذي سوى الأرض صالحة للزراعة و لإنتاج كل الثمرات و الغلال.. فضلا و منة تستوجب الشكر و الاعتراف بفضله على البشر... تثير فينا روح العمل لصورة رمزية تحل فيها الفكرة محل المادة و الشكل... و هي إرادة التغيير في نفوسنا للعمل الدنيوي الذي يرافقه الخير و التوفيق من الله... و كذلك للعمل الأخروي لجعل الجنة في صحيفة أعمالنا مزرعة مثالية.. مزرعة أخروية ليس كمثلها أي مزرعة من مزارع الدنيا... ناهيك عما يحمله إطار الصورة البلاغية الفني من جمال مشرق أخاذ في حض الإرادة و رعاية الأرض و الاهتمام بالعمل الزراعي.
هنا يستوقفنا صدى هذه الآيات البينات في سورة الواقعة مرة اخرى للإشارة إلى أثر الفعالية الفنية في التعبير اللفظي و البلاغي على التفكير و الذاكرة... فهذه السمة الإنفعالية الوجدانية داخل النفس تجعل من القارئ يخرج عن كونه متذوقا لجمالية التعبير... إلى تعاطف معها فسرعان ما ينقلب موقفه داخل بطانة شعوره من مجرد سامع أو قارئ إلى اتخاذ موقف الواعظ الناصح الأمين على المضي في طريق الهداية و الرشاد .... كل ذلك يأتي بالعظة و الاعتبار ليزيل عن النفس و الفكر أصداء الشك المريب عن حقيقة الوجود و فكرة المصير الأخروي.
نعم... لقد راعى البيان الإلهي في سورة الواقعة شروط العقل
و التساؤل الفلسفي المنهجي الذي يثيره نظام الصورة الفنية في الشكل و المضمون ... من تسلسل الأفكار و انسجامها و ترتيبها و خرجت بنا الآيات البينات عن مجرد كونها ألفاظا مقروءة و صورا ترتسم في خيال المتلقي إلى حركة فائرة في النفس تغوص بها إلى حالة ترقب لعالم الطهر و المثل و الأخلاق...فتعود السورة مصدر إلهام للنقاد أنفسهم توجه أنظارهم إلى العناية بالمعنى العام و الروحي الذي يحوزه البيان الإلهي و يصرفه إلى تجسيد سلوكي و نفسي يرتقي بالوجدان و الفكر إلى عالم صرف خال من الكفران و النكران و بالتالي إلى اعتباره منهلا يفيض بالسيولات المعرفية و يتدفق بألوانها و مستوياتها المختلفة بما يوفره البيان القرآني في تعبيره و بلاغة معانيه في في أسلوب التعقل و الاستقصاء و الاستدلال و القلب...و من ثم اكتشاف العقل لما يميزه عن أي كلام آخر... و هذا الأمر يشير لنا بوضوح على تهافت الشعراء و
البلغاء و حرصهم على المعاني القرآنية و القبس من الكلم القرآني مباشرة ...فتحري الحق و الصدق و الخير يجعل من البيان الإلهي مالكا للمشاعر و القلوب و يحرك من عزيمة الناس الى اتباعه و الانقياد له دوما.
________________________________________
(1)Bayan s.Turner; Weber and Islam Route lage, London, 1974, b.7
بقلم د. عبدالرزاق كيلو
تعليقات
إرسال تعليق