اللغة مبنى ومعنى..الأحلام.. بقلم الباحث /محمد عبدالكريم الدليمي

 الأحلام: جمع هذا اللفظ على جمع التكسير، لأن الحلم يكون من النفس، والأحلام على ثلاثة أشكال، فاختلفت الصفات، واتفقت الأصول، لأن الأنفس الثلاثة خرجت من نفس واحدة.


قال تعالى ( قالوا اضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) يوسف: ٤٤الاحلام نوع من الاطلاع على ما يجري من حوله، ولكن هذا غير معلوم من قبل البشر ولا يمكن أن يطلع عليه أحد من الناس، فيفسر بأضغاث أحلام، أو عدم معرفة تفسير ذلك، فمن فسر الحلم فهو يتأوّل على علم الله تعالى بما لا يعلم، لأنَّ الحلم يحدثُ كالآتي والله تعالى أعلم.

قد نص القرآن الكريم بخروج النفس عند النوم إلى ما لا يعلمه صاحبها، إلى ما يعلمه الله تعالى بها، قال تعالى


{ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)}[الزمر

وهذا الدليل العقلي الواقعي الشرعي، يدل على خروج النفس من الجسد بلحظة نوم الإنسان. والله تعالى ينشر كتباً في سماء الدنيا، كل يوم في الصباح والمساء، فتخرج النفس إلى سماء الدنيا، وتطلع على الكتب وهي ليست كتب تقرأ وإنما هي كتبٌ على شكل صور متحركة، فيها سر الحياة وما يحدث لنا من القدر، وما يحدث لنا من علوم الغيب التي لا يعلمها أحد إلا الله تعالى، والنفس بطبيعة خلقتها لا تعرف أحد لأنها تتعامل مع الأعمال التي تنتجها والتي ينتج لها، فليس بينها وبين الناس سوى الأعمال، فعند خروجها تلقى الكتب منشورة في سماء الدنيا، فتبدأ بالنظر إليها، - والكيفية غير معلومة – أما الاطلاع فهو معلوم، فتنظر في الكتاب التي بين يديها، وترجع إلى الجسد بعد استيقاظه من النوم، فيبدأ العقل بقراءة ما في النفس، وفي هذه اللحظة يبدأ الإنسان بالحلم كما هو معروف لدينا، وهو لا يستغرق أكثر من لحظة أو أقرب من ذلك لأن سرعة العقل بقراءة ذلك تفوق كل الحسابات، فيبدأ بعد ذلك الإنسان بالشعور لما يقرأه العقل إِمّا بسعادة أو بحزن أو بارتياح أو باليأس...إلخ.

فما كان من الحلم بسعادة لما يعلمه من خطوة النجاح فهي النفس المطمئنة التي قرأت الكتب وجاءت به، وما يشعره من الحزن، من سوء أعماله فهي كذلك، وما كان يشعر بالتقصير إلى الناس وفي إخلاصه لله تعالى فهي أيضاً. أما ما يراه الإنسان من الشر، والقتل، والفتن، والجوع، والعطش، والذل، والمهانة، فهي النفس الأمّارة بالسوء.

أما ما يراه من الفتيات الجميلات، والحب، والغيرة، والحسد، والكره، والتمني، ...إلخ. فهو كله تأتي به النفس اللوامة، وهذا الحلم الذي نراه في الليل كله أو نصفه أو أقل من ذلك لا يتجاوز أكثر من لحظة قراءة العقل له، أي لا يتجاوز أكثر من أجزاء من الثانية، وربما أقل من ذلك بكثير، ولا يعلم مقدار ذلك الوقت إلا الله تعالى.

إن عدم معرفة سر ما يراه الإنسان في منامه من الحلم، هو أنَّ الكتاب الذي أطلع عليه هل هو كتابه أم كتابٌ آخر لشخص ثانٍ من يسكن في عالمنا؟ والأمر الثاني، كيف يعلم من ذلك الحلم ما يراه وهو لا يعلم الغيب؟! ومع كل هذا فأن من الأحلام ما يقع صدقاً، وأكثرها أضغاث لا فائدة من معرفتها، للأسباب التي ذكرتها.

إنَّ الحلم كل يوم يحدث للإنسان من دون شك في ذلك، أما هل نتذكر ذلك الحلم أم لا؟ فالجواب عنه بما يأتي: إنَّ النفس المطمئنة تأتي بحلم، والأمّارة بالسوء بحلم، واللوامة بحلم، ثلاثة أحلام في الليلة الواحدة؛ فعند رجوع الأنفس إلى العقل يبدأ العقل الماسح بالعمل الذي يقتضيه، والذي يقضي على كل غريب، فيبدأ بمسح كل ما جاءت به الأنفس، أما ما يعلق بالعقل المفكر فهو ما نراه على شكل حلم، وذلك لحاجة العقل إليه، ليبدأ بنشاطه المعتاد، فنرى إنساناً يحلم بكوابيس حقيرة الشأن، وهذا الأمر الغريب الذي لا يمكن للإنسان أن يتصوره هو منفعة له، على قدر تحمل العقل، وذلك لكثرة حقارة النفس الأمّارة بالسوء وسيطرتها على العقل المفكر، فيكون العقل المفكر بحاجة لمثل هذه الأحلام، ليطور نفسه بالجريمة والعدوان، وتطور الحالة إلى أن تصبح عائقاً على الإنسان فيمرض بمرض نفسي لا محالة من ذلك لأن الروح والنفس المطمئنة سيبدأ كل واحد منهما بنصرة الخير، فيبدأ الصراع، مما يؤدي إلى المرض النفسي، وبهذه الحالة يظهر على الإنسان شخصيتان مزدوجتان، وبهذه الحالة يحتاج هذا الإنسان إلى طبيب. أما إذا كان الإنسان كثير الطمأنينوالمرح، فتأتي النفس المطمئنة بحلم الطمأنينة، فيتقبله العقل المفكر لحاجته إليه، وكذلك يكون الأمر نفسه لما تأتي به النفس اللوامة، فيكون الحلم لما يحتاجه العقل، وبما أن العقل يسيطر عليه من قبل الأنفس، فلا بد أن تكون الحاجة لمن سيطر على العقل، وحاجة العقل إليها لزيادة تطوره بها.

الرؤيا: إنَّ الرؤيا عكس الحلم فهي تقع حقيقة مع النفس، فمنها ما يأتي في المنام وهو المتعارف، ومنها ما يأتي في الغفوة القصيرة التي يستلقيها الإنسان وهو صاحٍ يقظ، فتخرج النفس بإذن ربها الكريم إلى من تلتقي به من البشر أو القدر الذي يريد ربنا العظيم إطلاع ذلك البشر عليه؛ فمن الناس من يرى في الرؤيا ما يلتقي بإنسان ميت، أو إنسان لم 

يعرفه ولكن سيلتقي به عما قريب، أو من الأنبياء والصالحين، أو غير ذلك مما قدره ربنا الكريم لهذا الإنسان، وتبدأ النفس بالتحدث إليه والتعرّف إليه كأنه يتعرف إلى إنسان من حوله، ويقول له ما يريده منه بصريح العبارة، وكل ما يقصّه عليه يفسر من قبله، وهو واضح معروف، ومن علاماتها أنها لا تنسى بوقت قصير أو طويل، والثانية التعريف بمن التقى به. وما عدا هذا فهو حلم.

والرؤيا لا تكون إلا مع النفس المطمئنة، فهي المسموح لها بهذه الرؤيا الصالحة، ولا تكون الرؤيا شراً على صاحبها أو الناس، حتى وإن كان ذلك يقع من الكوارث أو المقدرات التي لا يحبها الإنسان لنفسه ولكنها هي خير له ولمن حوله ولجميع المسلمين.


الحلم هو القدر ولا يمكن معرفته لمن هو من الاشخاص سواء قريب أوبعيد أو واحد من الأمم فلهذا نرى الحلم على ثلاث صور :

1- مشاهدة الحلم كأنك أنت في الحلم ولا تشاهد نفسك كأنك أنت في الحقيقة تسير وتقفز وتقعد وتلعب وتنام وهكذا كل حالاتك البشرية واذا نظرت في المرآة لا ترى شيء أو الى الماء أو اي شيء يعكس صورتك لأنك سوف تصحو من نومك في اللحظة ذاتها كي لا يصيبك الجنون أوالفزع لأن الحلم ليس قدرك وهذا الشخص أنت تقمصت شخصيته فكنت تركض وتلعب وتقعد وتنام وهو ليس شخصك الكريم . وهذا ما لا يمكن تفسيره. 

2- مشاهدة حلم كأنه صورا أو فلم يسري أمامك وتنظر الى كل شيء وانت قاعد ترى وترى اصدقاءك واقاربك واناس لا تعرفهم وهكذا ولكنك لا نفسك بالبته. وهذا حلم تطوري يساعد عقلك على ما يبحث عنه فيطور آفاقه ومنهجه .

3- مشاهدة نفسك في بعدها الثلاثي كأنك ترى فلما أنت بطله فترى نفسك تذهب وتروح وتفعل ويكون لك ما يكون ويكون عليك ما يكون ؛ فهذا الحلم هو قدرك المحتوم .

  

من كتابي اللغة مبنى ومعنى . تجدونه في معرض القاهرة دار الأديب .


                             محمد عبد الكريم الدليمي



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قالت اليك...بقلم الشاعر موفق محي الدين غزال

عاشقة الضوء(((معراج الصعود 76)))....بقلم الشاعر د.سامي الشيخ محمد

حريتي عشقي.. بقلم الشاعر/كمال الدين حسين القاضي

ياموطنا رام الفلاح.. بقلم الشاعر/محمد حسام الدين دويدري

بلادي نبضة دفء متمردة...بقلم الكاتبة فريال حقي

شهادة نسيم....بقلم الكاتب محمد عبد الخالق

أخاديد ....بقلم الشاعرة فدوى كدور

فكرة تتخمر....بقلم الشاعر نورالدين جقار

طفولة وطن....بقلم الشاعر قسطة مرزوقة

صهيل الحرف.. بقلم الشاعر/د. حسين الجاسم